محمد هادي معرفة

30

التمهيد في علوم القرآن

مُوسى تَكْلِيماً . رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً » « 1 » . والوحي الرسالي لا يعدو مفهومه اللغويّ بكثير ، بعد أن كان إعلاما خفيّا ، وهو اتصال غيبيّ بين اللّه ورسوله ، يتحقّق على أنحاء ثلاثة ، كما جاءت في الآية الكريمة : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ » « 2 » . فالصورة الأولى : القاء في القلب ونفث في الروع . والثانية : تكليم من وراء حجاب ، بخلق الصوت في الهواء بما يقرع مسامع النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) « 3 » ولا يرى شخص المتكلّم . والثالثة : إرسال ملك الوحي فيبلّغه إلى النبيّ ، إمّا عيانا يراه ، أولا يراه ولكن يستمع إلى رسالته . إذن فالفارق بين الوحي الرسالي وسائر الإيحاءات المعروفة ، هو جانب مصدره الغيبي اتصالا بما وراء المادة . فهو إيحاء من عالم فوق ، الأمر الذي دعى بأولئك الذين لا يروقهم الاعتراف بما سوى هذا الإحساس المادي ، أن يجعلوا من الوحي الرسالي سبيله إلى الإنكار ، أو تأويله إلى وجدان باطنيّ ينتشي من عبقريّة واجده وسنبحث عن ذلك في فصل قادم . ( ملحوظة ) بما أنّ الوحي ظاهرة روحيّة ، فإنّه بأيّ أقسامه إنّما كان مهبطه قلبه الشريف ( شخصيّته الباطنة : الروح ) سواء أكان وحيا مباشريا من اللّه أم بواسطة جبرائيل . قال تعالى : « فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ » « 4 » . « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ

--> ( 1 ) النساء : 163 - 167 . ( 2 ) الشورى : 51 . ( 3 ) لكن لا بهذه الأذن الماديّة وإلا لسمعه الآخرون أيضا ، بل بذلك السمع الذي يخص باطنه ، قال تعالى : « فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ » . ( 4 ) البقرة : 97 .